محتوى يحترم عقلك

مواقف تربوية من حياة الرسول  

مواقف تربوية من حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعتبر منهج لكل مربي وأداة لكل داعٍ، ومن تأمل في التاريخ سيرى واقع الناس وشتان من تربى في هذا الجيل ومن تربى على يد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لذا سنوضح لكم من خلال موقع زيادة مواقف تربوية من حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

مواقف تربوية من حياة الرسول 

في صدد الحديث عن مواقف تربوية من حياة الرسول نوضح لكم أن ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومواقفه يعلمنا العديد من الأمور، ومنها كيف كان يتعامل مع لصحابة رضي الله عنهم ما يبعث على التهذيب والتخلق بأفعال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكيف كان يتعامل مع زوجاته.

لذا فقد أمرنا ربنا بالامتثال له فذكر مواقفه دواء للقلب، وقدوة في زمن غاب فيه المربين والدعاة، فمنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثال يحتذى به، ليعرف المتأخر فضله ويسير على دربه.

1- فهم النبي صلى الله عليه وسلم لطبيعة المرأة

رَوى الإمام أحمدُ في مسنده، وأبو داود في سُننه عنِ النُّعْمان بن بشير، قال: جاء أبو بكر يستأذن على النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – فسَمِع عائشةَ – رضي الله عنها – وهي رافعةٌ صوتَها على رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فأذِن له، فدخل فقال: يا ابنةَ أمِّ رُومان – وتناولها – أتَرْفعين صوتَكِ على رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -؟! قال: فحالَ النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – بينه وبينها، قال: فلَمَّا خرَج أبو بكر جعَل النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – يقول لها يتَرَضَّاها: (ألاَ تَرَين أني قد حُلْتُ بيْن الرجل وبيْنَك)، قال: ثم جاء أبو بكر فاستأذن عليه، فوجَدَه يضاحكها، قال: فأذن له فدخَل، فقال له أبو بكر: يا رسولَ الله، أشْرِكاني في سِلْمِكما كما أشْركتُماني في حَرْبِكما.

هذا الحديث من مواقف تربوية من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فانظر إلى موقف النبي صلى الله عليه وسلم القدوة كيف يتكلم مع عائشة رضي الله عنها وهي ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم، مع ذلك لم يغضب ويرفع صوته هو الآخر، ولم يتبرم صلى الله عليه وسلم، فالإنسان العاقل فقط هو من يستطيع أن يوازن بين أموره.

ثم انظر إلى موقف أبي بكر الصديق كيف أنه لم يرضى أن ترفع ابنته صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم، وهمّ أن يضربها لتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وتجعل رضاه هو الأولى وكيف لا يكون وهو النبي صلى الله عليه وسلم فرضاه الأهم ولكنه جعل يترضاها لترضى!

فهل يرضى رسول الله صلى عليه وسلم أن ترضى أو تغضب عائشة؟ كلا والله إن رضاه هو المعتبر، ولكن هذا درس مهم للأزواج ليفهموا طبيعة المرأة وما خلق الله فيها من ضعف وفطرة.

اقرأ أيضًا: بحث عن حياة الرسول منذ مولده حتى وفاته

2- رفق النبي صلى الله عليه وسلم لأهله

رَوَى البخاريُّ عن أنس قال: كان النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – عندَ بعض نسائه، فأرسَلتْ إحْدى أمَّهات المؤمنين بصَحْفَة فيها طعامٌ، فضربتِ التي النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – في بيتها يدَ الخادم، فسقطَتِ الصَّحْفة، فانفلقتْ، فجمَع النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – فَلقَ الصَّحْفة، ثم جعَل يجمع فيها الطعامَ الذي كان في الصحفة، ويقول: ((غارَتْ أمُّكم))، ثم حبَس الخادم حتى أُتِي بصَحْفة مِن عند التي هو في بيْتها، فدَفَع الصَّحْفة الصحيحةَ إلى التي كُسِرتْ صَحفتُها، وأمْسَك المكسورَة في بيْت التي كَسَرَت.

تأمل موقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يقدم لجميع الرجال، ويعد من مواقف تربوية من حياة الرسول الزوجية حيث إنه يحل المواقف العصيبة براحة واطمئنان، وصدق من قال إن أردأ الرجال هو الرجل الذي لا تشعر المرأة بالأنس معه.

فقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجلس مع أزواجه ويستمع لهن ولشاكيتهن ويحل الموقف بكل هدوء، ولو تعلمنا من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأفته بأهل بيته لانتهت مشاكل البيوت، فانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف غير طعامًا بطعام، وتبسم وقال غارت أمكم هكذا بكل بساطة!

هكذا إذا كانت المرأة متعصبة فترفق، وإذا عز أخوك فترفق، ولا يأخذ الرجل الأنفة ويبادر بالمشاكل، بل يجعل رجولته في سلامه وهدوئه.

3- التحذير من الغيبة والزجر عن التقليد وإن كان لمن تحب

روَى أبو داود والترمذيُّ في سُننهما عن عائشةَ – رضي الله عنها – قالت: قلت للنبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم -: حسْبُك من صفيَّة كذا وكذا، قال: – تعني قصيرة – فقال: ((لقدْ قُلتِ كلمة لو مُزِجتْ بماءِ البَحْر لمزجَتْه))، قالت: وحكيتُ له إنسانًا، فقال: ((ما أُحِبُّ أنِّي حكيتُ إنسانًا وأنَّ لي كذا وكذا)).

المعنى كما يقول شراح الحديث: “أن هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله مع كثرته وغزارته”

انظر إلى هذا الموقف ترَ عجبًا، وهو من مواقف تربوية من حياة الرسول حيث إن عائشة أحب النساء إليه وابنة أحب الناس إليه، ومع هذا لم يمنعه حبه هذا أن ينهاها عن قولها ويكفها وينذرها عاقبة فعلها.

هذا الحديث من الزجر الشديد عن الغيبة، فكيف وهذا شأن كلمة! وعائشة رضي الله عنها قالت إنها قصيرة، وهي كانت قصيرة، فكيف وما أدراك بمن يتكلم في غيره بكذب وافتراء.

في هذا الموقف يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم شيئين من أهم مواقف تربوية من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه وإن كنت تحب من تحب، يجب عليك نصحه وكفه عن الخطأ حين يخطأ، لا أن تدفعك محبتك له عدم نصحه لئلا يكره قولك، والثاني كف اللسان عن الوقوع في الهلاك، وعدم ذكر الناس بالسوء مخافة العاقبة التي ربما تحرمك من الجنة.

قال ابن القيم رحمه الله: أهل الصراط المستقيم كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم بالنفع في الآخرة، فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلًا عن أن تضره في الآخرة، وإن العبد ليأتي بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها، وذلك من كثرة ذكر الله والاستغفار له.

4- حكمة النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – في تعامله مع نسائه

رَوى الإمامُ مسلم في صحيحه: أنَّ عائشة زَوْج النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – “قالت: أرْسَل أزواج النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فاطمةَ بنتَ رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – إلى رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فاستأذنتْ عليه وهو مُضطجِع معي في مِرطي، فأذِنَ لها، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أزواجَك أرسلْنني إليك يسألْنَك العدلَ في ابنةِ أبي قُحافةَ، وأنا ساكِتة، قالت: فقال لها رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أي بُنيَّة، ألستِ تُحبِّين ما أُحِب))، فقالت: بلَى، قال: ((فَأحبِّي هذه))…”

ألا ما أعظم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهذا حديث جلي ويعتبر من مواقف تربوية من حياة الرسول حيث تلطفه بأهله وزوجاته فهذا درس لجميع النساء ليتعلمن منه ويرين الوفاء، فإذا كان فعل ما يعكر الزوج ويغضبه لا تفعله.

فإن عائشة رضي الله عنها ما دافعت ولا قامت، وإنما نظرت لوجه النبي صلى الله عليه وسلم لترى من وجهه فقط هل يحب أن ننتصر أم لا، فهذا درس وموقف تعلمه أم المؤمنين عائشة لجميع النساء أنها ترعى زوجها فإذا كان زوجها لا يرضى فعل معين أو يتضرر منه أو يغضبها فقط لا يحبه فلا تفعله أبدًا، وهذا مقتضى المحبة والوفاء والعشرة بالمعروف كما قال ربنا.

ثم تأمل حِلم النبي صلى الله عليه وسلم وتحمل أهله ونسائه وصبره عليهن، فهكذا الرجال ومن بعد النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون منه ويأخذونه قدوة، حيث يجب على الرجل مراعاة نفسية زوجته، ويقوم بقوامته كما أمره ربه، فلو قام بحق القوامة لما أصبح هناك نشوز، فلا تنشز المرأة إلا بعض أن يهدر الرجل قوامته أو يتسامح فيها.

اقرأ أيضًا: حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

5ـ حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند غضب زوجاته

رَوى الشيخانِ عن عائشةَ – رضي الله عنها – قالتْ: قال لي رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي لأعَلمُ إذا كنتِ عنِّي راضية، وإذا كنتِ عليَّ غَضْبَى))، قالتْ: فقلت: مِن أين تَعرِف ذلك؟ فقال: ((أمَّا إذا كنتِ عنِّي راضية، فإنَّك تقولين: لا وربِّ محمَّد، وإذا كنتِ غضْبَى قلت: لا وربِّ إبراهيم))، قالت: قلت: أَجَلْ، واللهِ يا رسولَ الله، ما أَهْجُر إلا اسمَك.

قال الحافظ ابن حجر: “يُؤخَذ من الحديث استقراءُ الرَّجُل المرأةَ مِن فِعلها وقولها فيما يَتعلَّقُ بالمَيْل إليه وعدمه”

تشعر المرأة بالأمان إذا بادلها زوجها الحب، فتشعر بأن قلبها ملك له، فإن غضبت عليه لا يخرجها غضبها إلى الثورة عليه، وهذا من اللمحات الجميلة أن الإنسان وإن كان غاضبًا فيُسلب عقله في اختياره للكلمات.

إلا أن المحبة الكامنة لا تتغير ولا تتبدل، وفي اختيار أم المؤمنين عائشة سيدنا إبراهيم عليه السلام غير باقي الأنبياء دليل على ذكائها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس بإبراهيم كما ذكر ربنا في القرآن، فإن أرادت ترك سيدنا محمد غيرته إلى من منه، وهكذا لا تكون قد خرجت من دائرة المحبة.

6- عدل النبي بين زوجاته

تقول عائشة رضي الله عنها: “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري تنظرين وأنظر، فقالت: بلى، فركبت، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلّم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الأذخر، وتقول: يا رب سلّط عليها عقربًا، أو حيّة تلدغني، رسولك، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا”

يكون هذا الحديث خير شاهد ودليل على عدل النبي صلى الله عليه وسلم بين زوجاته، وكيف أن عائشة رضي الله عنها طيبة القلب، ولا تعلم ما تريد أن تفعله حفصة رضي الله عنها، فلما علمت حينها ما فعلته، حزنت وغارت كما يمكن أن تغار أي امرأة، ثم دعت على نفسها بالموت، وكيف أنها استأثرت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهي الأحق بها، فلم تعرف وقتها ماذا تفعل غير أنها راجعت نفسها ولامتها ودعت عليها.

7- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم

روَى الإمامُ مسلم في صحيحه عن محمَّد بن قيس بن مَخْرَمة بن المطلب:”… قال: ((فإنَّ جبريل أتاني حين رأيتِ فناداني، فأخفاه منكِ فأجبتُه فأخفيتُه منك، ولم يكُنْ يدخُل عليك وقد وضعتِ ثيابَك، وظننتُ أنْ قد رقدتِ، فَكرهتُ أن أوقظَك، وخشيتُ أن تستوحشي، فقال: إنَّ ربَّك يأمرُك أن تأتي أهلَ البقيع فتستغفرَ لهم))، قالت: قلت: كيف أقولُ لهم يا رسولَ الله؟ قال: ((قُولي: السلام على أهل الدِّيار مِنَ المؤمنين والمسلمين، ويَرحَم الله المستقدمين منَّا والمستأخِرين، وإنَّا إنْ شاء الله بِكم للاحِقون))

جلست أم المؤمنين عائشة يوما إلى طلاب الحديث فقالت لهم ألا أحدثكم قالوا بلى، فقالت إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءها في يوم ثم أخذ يجهز نفسه للنوم فخلع عنه الرداء والنعل ثم اضطجع، فما لبث أن ظن أني نمت فقام وتحرك بهدوء ولبس رداءه ونعليه ثم خرج وأغلق خلفه بهدوء.

فقمت خلفه مسرعة وارتديت القميص واختمرت بخماري وذهبت إثر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ظني أنه ذاهب لإحدى زوجاته، ولكني أخطأت فلم يذهب لإحدى زوجاته بل ذهب للبقيع وهي المقابر التي بها أصحابه، فأخذ يدعو وأطال الدعاء ثم رجع عائدًا إلى البيت فانصرفت مسرعة لئلا يعلم أنى اتبعته.

فرأى النبي صلى الله عليه وسلم سواد فأراد أن يعلم من، فأخذ يلحقه وأم المؤمنين مسرعة إلى أن هرولت مسرعة إلى البيت ودخلت إلى الفراش كي تخفي الأمر.

فدخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم ولم أستطع ان اكتم انفاسي من الهرولة وقلبي ينبض بسرعة، فلاحظ النبي وسألني فلم أعترف فقال لي: (لتخبريني أو ليخبرنِّي اللطيف الخبير) فأخبرته وأني كنت أنا السواد الذي كان أمامه فدفعا النبي صلى الله عليه وسلم وآلمها ووجه اليها اللوم في ظنها به مؤنبًا إياها (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله) فقلت معترفة بما فعلته (مهما يكتم الناس يعلمه الله).

ثم وضح لها صلى الله عليه وسلم لماذا خرج، جاءه جبريل عليه السلام بعد أن تجهز للنوم فنادى رسول الله فرد الرسول وهما يخفيان ذلك عن عائشة بصورة يعلمها كل منهم، وذلك لأن جبريل لم يكن ليدخل على امرأة خلعت ثيابها.

وجه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم امرا من الله تعالى وهو ان يذهب لأهل البقيع ويستغفر لهم، فلما عرف النبي امر ربه كره أن يوقظ أمنا عائشة في اعتقاده أنها نائمة وخاف أن تشعر بالوحشة إذا خرج وتركها وحدها.

استغلت أمنا عائشة الفرصة فسألت النبي ما تقل إذا زرت أهل البقيع فقال: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون).

من هذا الحديث نستنبط الكثير من مواقف تربوية من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم للرجال، وكيف أن الرجل يعامل زوجته ويرفق بها حيث خرج كما تقدم ذكره بكل هدوء خشية أن يوقظها

من التذكرة الجلية التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وهو أن يذهب إلى المقابر ليتذكر الموت، ويدعو لأهلها، وأن يستغفر لهم ليغفر الله لهم.

اقرأ أيضًا: أحاديث الرسول عن فضل وقيمة الأم

8- تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته لأهله

عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال: كنت مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في غَزاة، فأبطأ بي جملي وأعيا، فأتى عليّ النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال جابر: فقلت: نعم، قال: ما شأنُك، قلت: أبطأ على جملي وأعيا، فتخلَّفت، فنزل يَحْجُنه بمِحْجنه، ثم قال: اركب، فركِبت، فلقد رأيته أَكُفُّه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: تزوجَت؟ قلت: نعم، قال: بِكرًا أم ثيِّبًا، قلت: بل ثيبًا، قال: أفلا جارية تُلاعبها وتلاعبك؟ …”

“…قلت: إن لي أخوات فأحْببتُ أن أتزوج امرأة تَجمعهن وتُمشطهنَّ، وتقوم عليهن، قال: أما إنك قادم، فإذا قدِمت، فالكيس الكيس، ثم قال: أتبيع جَملك؟ قلت: نعم، فاشتراه مني بأُوقية، ثم قدِم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قبلي وقدِمت بالغداة، فجئنا إلى المسجد، فوجدته على باب المسجد، قال: الآن قدِمتَ؟ قلت: نعم، قال: فدع جملك، فادخُل، فصلِّ ركعتين، فدخلت فصليتُ، فأمر بلالاً أن يَزِنَ لي أُوقية، فوزن لي بلال، فأرجح في الميزان، فانطلقت حتى وَلَّيت، فقال: ادعُ لي جابرًا، قلت: الآن يَرُد عليّ الجمل، ولم يكن شيء أبغضَ إليّ منه، قال: خُذ جمَلك ولك ثمنه.

باب مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم غيض من فيض، وهو من المواقف المتكررة ويعتبر من مواقف تربوية من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه ورأفته بهم ومشاركتهم في فرحهم ومواساتهم في حزنهم، ويعفو عن هذا وينصح هذا بما يناسبه.

في هذا الحديث الكريم يروي سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه كان في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا راجعين من الغزوة من المدينة المنورة، فلحق به النبي لأنه كان يركب على الجمل الذي يحمل الماء فأدركه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الجمل الذي يركبه جابر قد تعب ولم يستطع السير.

فسأله النبي: ما أصاب بعيرك؟ فرد عليه بأنه تعب وضعف فتأخر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان خلف الجمل، فضربه بعصا ودعا له بالقوة والبركة فقام الجمل وأسرع حتى أصبح متقدما عن الإبل، ثم سأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع له الجمل فاستحيا جابر من النبي، وما كان له غير هذا الجمل فأجاب نعم وباع له الجمل شريطة أن يعود به راكبًا حتى المدينة.

لما قدم النبي صلى الله عليه المدينة ذهب إليه جابر رضي الله عنه أول النهار ليعطيه الجمل فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ثمن الجمل، ثم أعطاه الجمل هبة منه، ثم أعطاه نصيبه من الغزوة.

إن معرفة مواقف تربوية من حياة الرسول توضح لنا مدى كرم النبي صلى الله عليه وسلم وسخائه مع أصحابه وحسن عشرته لهم، وكيف لا يكون وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي امتدحه ربنا في القرآن الكريم.

قد يعجبك أيضًا
التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.