حديث عن يوم الجمعة وفضل يوم الجمعة في الإسلام

حديث عن يوم الجمعة وعن آدابه وفضله وحكم صلاة الجمعة فيه عند العلماء والفقهاء، وما الحكمة من مشروعية صلاة الجمعة في هذا اليوم؟

في بادئ الأمر يجب أن نعرف أن الله لم يشرع شيئًا إلا لحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، ولذلك فقد شرع الله لنا كثيرًا من الأمور التي قد تبدو بالنسبة لنا غير معلومة المقصد، وغير مفهومة المراد، وليس ذلك إلا لعجزٍ في عقلنا البشري عن فهم وتدبِّر مراد الله في أوامره ونواهيه، لكن الله لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر.

انطلاقًا من هذا المبدأ فسوف نعرض لكم اليوم حكمة مشروعية يوم الجمعة وما الذي أمرنا الله به فيها، ضمن سلسلة مقالاتنا الدينية المقدمة لكم من موقع زيادة.

حديث عن يوم الجمعة

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف المروي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: “خيرُ يومٍ طلعت فيهِ الشمسُ يومَ الجمعةِ، فيهِ خُلِقَ آدمُ، وفيهِ أُهْبِطَ، وفيهِ تِيبَ عليهِ، وفيهِ مات، وفيهِ تقومُ الساعةُ”، ففي الحديث دلالة على تكريم هذا اليوم وتشريفه عن باقي أيام الأسبوع، فهو أفضل أيام الله عند الله، فقد خلق فيه أبو البشر آدم عليه السلام، وهو المكرَّم عند الله -تعالى- بأعظم آيات التكريم، فقد أمر الله -تعالى- ملائكته الكرام بالسجود له سجود تحيةٍ لمَّا سوَّاه ونفخ فيه الروح، فقال -تعالى- في كتابه الكريم: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، فهو الذي باهى الله به ملائكته عليهم السلام.

ليس ذلك فحسب، بل قد حدث في هذا اليوم أحداثٌ مصيريةٌ غيرت من مصير بني البشر أجمعين، فقد أنعم الله على آدم عليه السلام وزوجه حواء بالدخول إلى الجنة والخلود فيها حياةً أبديةً لا ضنك فيها ولا كَبَدْ، فلما عصى آدم وزوجه ربَّهما أخرجهما من الجنة ليعيشا حياتهما على الأرض ويعمِّرانها، فاستتاب آدم ربه (أي: طلب منه أن يتوب عليه) فتاب الله عليه أيضًا في يوم الجمعة، فقد قال -تعالى-: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).

في يوم الجمعة أيضًا يكون يوم القيامة الذي هو أشد الأيام أهوالًا على الإطلاق، ففي هذا اليوم تشيب الرؤوس، وتبلغ القلوب الحناجر، وتدنو الشمس من الرؤوس حتى تصير مسافة ميل بينها وبين العباد، والخلاصة أن هذا اليوم معظَّمٌ من عند الله العليِّ الأكرم، فينبغي أن يعظمه أهل الإسلام كذلك لما فيه من فضائل وكراماتٍ اختص الله بها أمة الإسلام دونًا عن غيرها.

إقرأ أيضًا: افضل دعاء يوم الجمعة قبل الغروب وفضل دعاء يوم الجمعة وأفضل الأوقات للدعاء

حكم صلاة الجمعة

أجمع علماء المسلمين وفقهائِهِم قاطبةً أن صلاة الجمعة فرض عينٍ واجبٌ على كل مسلم مستوفٍ لشروط وجوبها، وهي الحرية والبلوغ والتكليف والذكورية كما سنفصل لاحقًا في طيَّات موضوعنا هذا، والدليل على وجوبها وفرضيتها قول الله -تعالى- في كتابه العزيز: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، فالأمر في قوله -تعالى-: (فَاسْعَوْا) دليلٌ على الوجوب والأمر بها، بل وقد تبع ذلك الأمر تشديدٌ عليه فقال -تعالى-: (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).

أما عن معنى “فرض العين” فهو ما سيكون موضوع فقرتنا التالية.

فرض العين والفرق بينه وبين فرض الكفاية

ذكرنا أن حكم صلاة الجمعة فرض عينٍ واجبٌ على كل مسلمٍ القيام به ما لم يكن غير مستوفٍ لشروط الوجوب، وهذا هو معنى فرض العين، فالفروض في الإسلام نوعان: (فرض عين – فرض كفاية)، فأما فرض العين فهو ما يتعين على كل مسلمٍ القيام به بنفسه، بمعنى أنه يتوجب عليه أداءه ولا يسقط عنه إذا أداه غيره، فعلى سبيل المثال إذا أدَّى شخصٌ زكاةً عن آخر فذلك لا يسقط وجوبها على الآخر؛ وكذلك صلاة الجمعة، فإن سقوطها عن الشخص لا يكون إلا بتأديتها بنفسه لا بغيره، فإن أداها غيره عنه لم تُجزأ.

أما عن فرض الكفاية فهو بخلاف فرض العين مطلقًا، فهو يعني الفرض الذي يكفي أن تقوم به جماعةٌ من المسلمين أو حتى واحدٌ منهم فقط ليسقط عن جميع المسلمين، وذلك مثل رد السلام، فهو فرض كفايةٍ إذا قام به واحدٌ سقط عن الباقين، فإذا كنت في مجلسٍ ودخل أحدهم فألقى السلام فردَّ عليه واحدٌ فقط أجزأه ذلك، وإن لم يرد عليه أحدٌ أَثِمَ جميع من في المجلس حتمًا مؤكدًا.

الحكمة من مشروعية صلاة الجمعة

ذكرنا أن الله -تعالى- لم يُشرِّع شيئًا إلا لحكمةٍ علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وفي هذه النقاط سوف نذكر بعضًا من حكم مشروعية صلاة الجمعة التي استنبطها العلماء والمفسرون من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، فمن الحكم التي ذكروها:

  • موعظة الناس وتذكيرهم بالآخرة وسماع ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من أمور الترغيب في ثواب الله والوعد به لمن أطاعه وطبَّق ما أمر به عز وجل، والترهيب من عقاب الله والوعيد به كذلك لمن عصاه ولم يمتثل لأوامره؛ فذلك هو الغرض الرئيسي من إقامة صلاة الجمعة، فهي إنما تكون لتعريف الناس بأمور دينهم وآخرتهم.
  • تحفيز المسلمين على القيام بواجبات دينهم ودنياهم، فالإنسان بطبعه متكاسلٌ يحتاج إلى من يعطيه دفعةً ليكمل مسيرته تجاه أي شيء، فجاء تشريع خطبة الجمعة بما فيها من وعظٍ وإرشادٍ للسير في طريق الله عز وجل لإعطاء دَفعةٍ ولو بسيطةٍ لكل من يريد أن يكمل طريقه إلى الله حتى يتوفاه الله على ذلك.
  • اجتماع المسلمين كبارهم وصغارهم لمناقشة أمور دينهم ودنياهم، فقد كان من يخطب الجمعة في السابق هو الخليفة أو حاكم المدينة، فيذكر في خطبته بعضًا من القرارات المتعلقة بشئون البلاد والعباد، ثم يعظ الناس ويذكرهم بأمور الآخرة ويحثهم على القرب من ربهم عز وجل؛ وقد كان ذلك في العصور القديمة زمن الخلافة الإسلامية وما بعدها، ولم تعد خطبة الجمعة تقام لهذا الشأن من بعدها.
  • التقاء الناس بعضهم ببعض: فقد لا يستطيع كثيرٌ منا لقاء أحبته نظرًا لكثرة مسؤولياته وما عليه من أشغالٍ وأعمال، فقد شرع الله لنا هذا اليوم لملاقاة أحبتنا وأصدقائنا ممن لا نستطيع الالتقاء بهم في باقي الأيام.

آداب صلاة الجمعة

لكل شيءٍ آدابٌ يلزم الالتزام بها حتى يتم هذا الشيء على أكمل وجهٍ بلا خللٍ أو نقص، وآداب صلاة الجمعة كثيرةٌ منها:

  • تبييت النية الصالحة ابتغاء وجه الله -تعالى-: فلا ينبغي على المسلم الذهاب إلى المسجد ابتغاء نظر الناس إليه وشهادتهم له بالتقوى والإيمان، ففي الحديث الصحيح المروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوَى، فمَن كانَتْ هِجرَتُه إلى اللهِ ورسولِه، فهِجرَتُه إلى اللهِ ورسولِه، ومَن كانَتْ هِجرَتُه لدُنْيا يُصيبُها، أو امرأةٍ يتزَوَّجُها فهِجرَتُه إلى ما هاجَرَ إليه”، فذلك الحديث يعني أن النية شرطٌ أساسي للقيام بأي عمل في الإسلام، وينبغي أيضًا أن تكون هذه النية لله وحده دون سواه حتى يصلح العمل.
  • المشي إلى بيت الله في هدوءٍ وتأنِّي: وذلك ليس في صلاة الجمعة فحسب، بل ينبغي على المسلم السير بطمأنينةٍ وارتياحٍ تامٍ في جميع الصلوات المفروضة، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فلا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وأْتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وما فَاتَكُمْ فأتِمُّوا”.
  • دخول المصلي المسجد بالقدم اليمنى: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمُّن في كل شيء، فكان يلبس نعله باليمين ويبدأ بها، وكان يأكل ويشرب باليمين، وكان يبدأ باليمين في كل ما هو خير، ويقدم اليسار في كل ما هو ليس بخير.
  • ذكر دعاء دخول المسجد عند دخوله: فقد حَوَت السنة ذكرًا لكل فعلٍ في حياتنا، فهناك دعاءٌ للذهاب إلى المسجد وهناك دعاء عند العودة منه، وهناك دعاءٌ عند دخوله وكذلك عند الخروج منه، بل وهناك دعاءٌ عند دخول الخلاء ودعاءٌ عند الخروج منه، فالسنة حاوية لكل شيءٍ في حياتنا كلها، وصيغة دعاء دخول المسجد هي كما كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “بسمِ اللهِ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ ، اللَّهمَّ اغفِرْ لي ذنوبي وافتَحْ لي أبوابَ رحمتِك”.

إقرأ أيضًا: حكم قول جمعة مباركة وفضل يوم الجمعة في الإسلام وأقوال عن يوم الجمعة

سنن يوم الجمعة

سمعنا كثيرًا عن قول أحدهم “يستحب في يوم الجمعة فعل كذا وكذا”، ولكننا غالبًا لم نسمع عن هذه السنن المستحب فعلها إلا الشيء القليل، فدعونا نذكر لكم هذه المستحبات والدليل على استحبابها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة خلال النقاط الآتية:

  • الاغتسال قبل الذهاب إلى الجمعة: وهذا ليس من آداب صلاة الجمعة فحسب، بل هو من مستحبات هذا اليوم حسب قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من توضَّأَ يومَ الجمعةِ فبِهَا ونعمَتْ، ومَنِ اغتَسَلَ فالغُسْلُ أفضلُ، والغسل من السنةِ”.
  • لبس أفضل الثياب وأحسنها، وكذلك وضع بعض العطر: فذلك من سنن يوم الجمعة لأن الشخص يذهب لأفضل مكانٍ على وجه الأرض وأطهر بقاعها، وهو المسجد الذي هو بيتٌ من بيوت الله في الأرض، وكذلك لأن الشخص يقابل كثيرًا من أقرانه وأصحابه، فلا يفضَّل أن يكون رثَّ الثياب ما دام عنده أفضلها، ولا يفضَّل أن يكون عفن الرائحة ما دام عنده أطهرها، وهذه السنة ورد الأمر بها في قول الله -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، وورد الأمر به أيضًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ثلاثٌ حقٌّ على كل مسلمٍ: الغسلُ يومَ الجمعةِ، والسواكُ، ويمسُّ من طِيبٍ إن وَجَد”.
  • التبكير إلى صلاة الجمعة: وذلك يحصل بالذهاب إليها قبل صعود الإمام إلى المنبر بفترةٍ ولو قصيرة، فالتبكير إليها من الأعمال ذات الثواب العظيم والأجر الجزيل، وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَنِ اغتسل يومَ الجمعةِ غُسْلَ الجنابَةِ ثُمَّ راحَ في الساعةِ الأولى فكأنما قرَّبَ بدنَةً، ومَنْ راح في الساعَةِ الثانِيَةِ فكأنَّما قرَّبَ بقرةً، ومَنْ راح في الساعةِ الثالثةِ فكأنما قرَّبَ كبشًا أقرَنَ، ومَنْ راح في الساعَةِ الرابعَةِ فكأنَّما قرَّبَ دجاجَةً، ومَنْ راح في الساعَةِ الخامِسَةِ فكأنما قرَّبَ بيضَةً، فإذا خرج الإمامُ حضرتِ الملائِكَةُ يستمعونَ الذِّكْرَ”.
  • الامتناع عن الكلام حتى تنتهي الخطبة: وقد اعتبرها بعض العلماء من واجبات يوم الجمعة نظرًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَومَ الجُمُعَةِ: أنْصِتْ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فقَدْ لَغَوْتَ”.

بعض السنن الأخرى يستحب فعلها يوم الجمعة

يستحب فعل بعض السنن الأخرى قبل صعود الإمام إلى المنبر، ومن هذه السنن:

  • صلاة ركعتي نافلةٍ في حين دخوله والإمام يخطب: وتكون هذه الركعتان سريعتان حتى يستمع إلى الخطبة ويتدارك ما فاته منها، فلا يفوت منها أكثر مما فاته، وقد ورد الأمر بها في قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا”، أي فليخفف فيهما ولا يطيلهما.
  • قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة أو يومها: وتلك من السنن المشهورة عند الناس يوم الجمعة، فقلَّ من لا يربط بين قراءة هذه السورة ويوم الجمعة ربطًا وثيقًا، وفي هذا الأمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من قرأَ سورةَ الْكَهفِ في يومِ الجمعةِ أضاءَ لَهُ منَ النُّورِ ما بينَ الجمعتينِ”، وذُكر في روايةٍ أخرى لابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَن قرأَ سورةَ الكَهْفِ في يومِ الجمعةِ، سَطعَ لَهُ نورٌ مِن تحتِ قدمِهِ إلى عَنانِ السَّماءِ يضيءُ لَهُ يومَ القيامةِ، وغُفِرَ لَهُ ما بينَ الجمعتينِ”، ففي قراءة سورة الكهف يوم الجمعة كثيرٌ من الثواب الجزيل والأجر الكبير.
  • الإكثار من الدعاء في ذلك اليوم: فكلنا يعلم أن في يوم الجمعة ساعة إجابةٍ لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ إلا تحقق له ما يريد ما لم يكن حرامًا، فقد ورد في (زاد المعاد) أن أبا هُرَيْرةَ وكعبُ بن مَالِكٍ اجْتَمَعَا فقال أبو هُرَيْرةَ: “إنَّ في الجمُعةِ لَساعةً لا يوافِقُها رجُلٌ مُسلمٌ في صلاةٍ يَسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ شيئًا إلَّا آتاهُ إيَّاه …” إلى آخر الحديث، فالشاهد هنا هو أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لا يتكلمون في الدين إلا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

(أخرجه الأرناؤوط بإسنادٍ صحيح في “زاد المعاد” 1/395)

  • الصلاة والسلام على النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ولذلك أجرٌ عظيمٌ ذُكر في الحديث القائل: “أكثروا من الصلاةِ عليَّ يومَ الجمعةِ فإنه مشهودٌ تشهدُه الملائكةُ”.

ما يَحْرُم يوم الجمعة وما يكره فيه

بعد أن ذكرنا سنن وآداب يوم الجمعة التي يستحب الالتزام بها، وجب علينا ذكر المكروهات والمحرمات في مثل هذا اليوم، ومن هذه الأشياء ما يلي:

  • تخطي رقاب الجالسين: فهذا فعلٌ مكروه في السنة النبوية المطهرة، لما فيه من إزعاجٍ للمصلين والجالسين بانتظار صعود الإمام، وقد روى أبو داود في سننه عن الصحابي عبدالله بن بسرٍ -رضي الله عنه- أن رجلًا جاء يتخطَّى رقاب الناسِ يومَ الجمعةِ والنبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم يخطُبُ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “اجلسْ فقد آذيتَ”.
  • البيع والشراء بعد الآذان وحتى انتهاء الصلاة: فذلك من الأشياء المحرم فعلها عند سماع المنادي ينادي لصلاة الجمعة، لما ذكرنا مسبقًا في قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).

شروط وجوب صلاة الجمعة

ذكرنا من قبل أن صلاة الجمعة فرض عينٍ على كل مسلمٍ مستوفٍ للشروط، فالجمعة لا تجب إلا على خمسة أنواعٍ من الأشخاص:

  1. الذَكَر: فلم يذكر شيءٌ في وجوبها على المرأة في المسجد الجامع، فلا يجب حضورها في المسجد الجامع إلا على من كان ذكرًا.
  2. البالغ: فالصبي ليس محلًا للتكليف ولا أهلًا له، وذلك لما ورد في الحديث الصحيح المروي عن ابن عبَّاسٍ -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ”، وذكر منهم: “الصبِيَّ حتَّى يَحْتَلِمَ”.
  3. الحر: وهذا الشرط كان متواجدًا زمن النبي صلى الله عليه وسلم وظل متواجدًا حتى انتهى زمن الرِّق، فقد كان العبد المملوك له خصائص أخرى وأحكام اختص بها عن غيره، ولم تكن من بين هذه الأحكام وجوب صلاة الجمعة عليه.
  4. السليم المعافى: فقد سقط وجوب صلاة الجمعة على المريض الذي لا يستطيع حضورها في المسجد الجامع، فهذا عذرٌ شرعيٌ مسقطٌ لوجوبها.
  5. المقيم: فيسقط وجوب حضور الجمعة على المسافر، لما فيه من مشقَّةٍ عليه إذا كانت واجبة.

وهناك دليلٌ جامعٌ لأربعةٍ من هذه الخمس يتمثل في الحديث المروي في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ إلَّا أربعةً: عبدٌ مملوكٌ أو امرأةٌ أو صبيٌّ أو مريضٌ”.

ختامًا ينبغي التنويه إلى أن صلاة الجمعة لا تسقط مطلقًا من هؤلاء، وإنما يسقط عنهم أداءها في المسجد الجامع، ولكنها تجب عليهم بعد ذلك فيصلوها ظهرًا، فإن صلاها أحدهم في المسجد الجامع أجزأته ولا يصليها ظهرًا بعد ذلك.

شروط صحة صلاة الجمعة

لكل عبادةٍ شروطٌ تسمى شروط الصحة، وهذه الشروط هي كما فهمت عزيزي القارئ من معناها أن تلك العبادة لا تصحُّ إلا بها، وشروط صحة صلاة الجمعة تتلخص فيما يلي:

  1. دخول الوقت: فمن صلَّى قبل دخول وقت الجمعة كان كمن لم يصلي شيئًا، فصلاته وعدم صلاته سواءٌ وعليه إعادتها عند دخول وقتها، وأول وقتها كما ذكر في السنة هو من ارتفاع الشمس قيد رمح (أي بعد وقت شروق الشمس بثلث الساعة حسب تقدير العلماء)، وآخر وقتها هو نفسه آخر وقت صلاة الظهر بإجماع العلماء، وقد ذكر الصحابي الجليل عبدالله بن سيدان السلمي هذا في قوله: “شَهِدْتُ الجمعةَ معَ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ فَكانت خطبتُهُ وصلاتُهُ قبلَ نَصبِ النَّهارِ، ثمَّ شهدتُها مع عمرَ فكانَت صلاتُهُ وخطبتُهُ إلى أن نقولَ انتصفَ النَّهارُ، ثمَّ شَهِدتُها معَ عثمانَ فَكانت صلاتُهُ وخطبتُهُ إلى أن نقولَ مالَ النَّهارُ (أي زال، وهو: وقت الظهر)، فما رأيتُ أحدًا عابَ ذلِكَ ولا أنكرَهُ”.
  2. أن تكون إقامتها ضمن القرية أو المدينة: فلا تصح إقامتها في البادية أو الصحراء، فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بذلك مطلقًا.
  3. خطبة الجمعة: فقد ذكرنا أن من حكمة مشروعية الجمعة أنه يكون فيها تذكيرٌ بالآخرة ووعظٌ وإرشادٌ للأعمال الصالحة المقرِّبة إلى الله -تعالى-، فإذا زالت خطبة الجمعة زالت الحكمة من مشروعيتها تبعًا لذلك، إذ لا يمكن تحقيق الحكمة إلا بالخطبة.

بعض الأحكام الأخرى المتعلقة بصلاة الجمعة

ذكر بعض الفقهاء مسائل أخرى فيما يتعلق بيوم الجمعة، وفيما يلي تلخيصٌ لبعض المسائل الواردة في ذلك:

  • قد يسأل سائلٌ عن أقل ما تدرك به صلاة الجمعة من ركعات، وقد أجاب العلماء على ذلك بأن قالوا بأن أقل ما تدرك به الجمعة هي ركعةٌ فحسب، فمن أدرك مع الإمام ركعةً واحدةً فقط تجزأه ويعيد الركعة الأخرى بعد انتهاء الصلاة، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن أدرَكَ منَ الصَّلاةِ رَكْعةً فقد أدرَكَ الصَّلاةَ”، وعلى ذلك فمن أدرك من الصلاة أقل من ركعةٍ كأن أدرك الإمام في السجود أو التشهد فإنه يصلي الجمعة ظهرًا أربع ركعاتٍ كاملة.
  • اتفق العلماء على أنه إذا كثر عدد سكان البلدة الواحدة حتى أنه لم يعد يسعهم مسجدٌ جامعٌ واحد، فيجوز أن تصلى الجمعة في مسجدٍ آخر أو حتى في عدة مساجد على حسب مقدار السكان وما يسعهم، وهو المعمول به في زماننا هذا.

إقرأ أيضًا: دعاء مستجاب يوم الجمعة قصير

صفة صلاة الجمعة وكيفيتها

تُصلَّى الجمعة على النحو الآتي:

  1. يصعد الإمام منبره في الوقت ما بين ارتفاع الشمس قيد رمحٍ إلى ما قبل الزوال بشيءٍ يسير، ثم يسلم على الناس بتحية الإسلام المعروفة، فيرد عليه الناس السلام، ثم يجلس على منبره.
  2. يؤذن المؤذن بعد جلوس الإمام مباشرةً.
  3. بعد فراغ المؤذن من الآذان يبدأ الإمام بالقيام للخطبة في الناس مستفتحًا بالحمد والثناء على الله عز وجل، ثم الصلاة والسلام على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
  4. يبدأ الإمام بوعظ الناس وتذكيرهم بالآخرة مستدلًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التي تؤكد صدق قوله.
  5. يجلس جلسةً خفيفةً في منتصف الخطبة.
  6. ثم يبدأ بالقيام مرةً أخرى ليكمل خطبته، فيبدأ أيضًا بالحمد والثناء على الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يكمل حديثه عما يتحدث عنه.
  7. إذا انتهى من حديثه فإنه يدعو الله -تعالى- ببعض الدعوات، فلعل دعاءه يوافق ساعة الاستجابة التي تكون في يوم الجمعة.
  8. إذا فرغ من الدعاء نزل من على المنبر وأقام المؤذن لصلاة الجمعة.
  9. يبدأ الإمام صلاته بعد تسوية صفوف المصلين، ويستحب أن يقرأ سورة الأعلى في الركعة الأولى، ثم يقرأ في الثانية سورة الغاشية بعد قراءة الفاتحة، وذلك ليس بالواجب، بل هو من المستحبَّات.

قد كان موضوعنا اليوم عن حديث عن يوم الجمعة وقد ذكرنا فيه كثيرًا من الأشياء المتعلقة بهذا اليوم المبارك، فذكرنا فضله والسنن المستحب فعلها في ذلك اليوم وصفة صلاة الجمعة وشروط وجوبها وصحتها، ونأمل أن نكون قد ألممنا بكل جوانب هذا الموضوع وساعدناكم في الإجابة على تساؤلاتكم حوله.

قد يعجبك أيضًا

التعليقات مغلقة.