لماذا تركت الحصان وحيداً مع نظرة نقدية وقصائد أخرى كتبها محمود درويش

لماذا تركت الحصان وحيداً هي إحدى أهم وأشهر قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والتي تعبر عن حنين الشعب الفلسطيني لأرضهم بعد أن استوطنها الاحتلال وهجر أهلها، فتحمل قصيدة لماذا تركت الحصان وحيدًا حوارية حزينة بين رجل وأبنه، اللذان قد خرجا من وطنهما فلسطين، وقد تركا وراءهما الحصان وحيدًا ليحرص المنزل، وسنجد من خلال القصيدة المصائب التي أصابت أهل فلسطين، والآلام التي تنهش بأجسادهم، لذا.. فدعونا نستعرض لكم أبيات القصيدة بالشرح والتحليل الوافي.

لماذا تركت الحصان وحيداً (تقديم ونقد)

إلى أين تأخذني يا أبي؟

إلى جهة الريح يا ولدي

يبدأ الشاعر محمود درويش قصيدته بشكل حوار بين الولد والأب، فيقوم بذلك لتجسيد حالة خروج الفلسطينيين من مدينتهم “البروة” بعد هجوم الصهاينة لها وتدميرها عام 1948 ميلاديًا، فيقدم لنا درويش بهذه القصيدة عملية الخروج من المدينة بالتفصيل، حاملًا معه الطابع القصصي في السرد، فيزيد السرد في أوقات ويقل في أوقات.

ومن يسكن البيت من بعدنا يا أبي؟

سيبقي على حاله مثلما كان يا ولدي!

تحسس مفتاحه مثلما يتحسس أعضاءه وأطمئن

شرع درويش في تجسيد حالة الرحيل من المدينة في ذلك الوقت، وبداية الحلم الفلسطيني للتخلص من الاستعمار الذي مازال مستمرًا ولن ينقضي حتى انقضاء الاستعمار ورجوع الفلسطينيين إلى أرضهم مرة أخرى، أعتبر محمود درويش نفسه على أنه صوت الولد، يجسد بذلك البراءة والفطرة، وأعتبر صوت الأب هو الأصالة العربية والفلسطينية وعراقة الأجداد كما كان رمزًا للأمل في العودة مرة أخرى وعدم الخضوع، وهذا هو حق كل لاجئ فلسطيني غادر بيته، فأخذ مفتاحه معه حتى لا يموت أمله يومًا في العودة له مرة أخرى.

لماذا تركت الحصان وحيداً؟

لكي يؤنس البيت، يا ولدي،

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها…

يبرز بهذا المقطع عنوان القصيدة والديوان “لماذا تركت الحصان وحيدًا؟”، أما عن بروز ذكر الحصان بالعنوان، فهو نوع من التغليب الموضوعي على الذات بالمشهد، مع دلالات عديدة يشير إليه بقاء الحصان بالبيت، فيرمز ذلك في العادة إلى الجمع بين الحيوية في السلم، والاستعداد الدائم لمواجهة خطر الحرب.

إقرأ أيضًا: شعر عن حب الوطن لأحمد شوقى قصائد مكتوبة

وصية الأب في القصيدة لابنه

يا ابني تذكّرْ!

هنا صلب الانجليزُ

أباك على شوك صُبّارةٍ ليلتين

ولم يعترف أبداً، سوف تكبرُ يا ابني

وتروي لمن يرثون بنادقهمْ

سيرةَ الدم فوق الحديد

لا بد من الصبر والتعب والمكافحة للعودة للأرض مرة أخرى، ويعد الأب أبنه بأنه سيعيش طويلًا، حتى يشهد الأجيال الجديدة، يرث منهم البنادق ويستكمل الكفاح حتى يستعيد وطنه مرة أخرى، ومهمته أن يروى لهم حكاية أرضٍ، وتاريخ أجدادٍ، حكاية الدم هذا كله، والحديد هذا كله، فسيحكي لجيل النصر الرحلة التي خاضها الدم الفلسطيني فوق حديد الصهاينة، ويحكي الأب وصيته لابنه، حتى يستكمل رحلة الصبر، ويصل إلى الغاية المنشودة بالنهاية، حينها وفقط حينها سينتصر الدم على الحديد.

هل تعبت من المشي؟

يا ولدي، هل تعبت؟

نعم، يا أبي

طال ليلك في الدرب

والقلب سال على أرض ليلك

ما زلت في خفة القط

فاصعد إلى كتفي.

تحليل القصيدة من نواحي أدبية

الشكل والمضمون

وازن مصطفى درويش في هذه القصيدة بين الشكل والمضمون، كما أنه ساهم في إبراز المضمون من عن طريق الشكل، فجاء المضمون واضحًا وبارزًا، وكان الشكل معبرًا عنه بقوة في الأساليب المنسجمة معه، فأتم الانسجام.

الوحدة العضوية

تعد القصيدة متماسكة للغاية من ناحية الوحدة العضوية، فتتكامل بداية القصيدة وخاتمتها معًا، كما عرض درويش مشاهد مستقلة لكنها صبت في فائدة المضمون الأساسي، فالصور الجزئية كلها تخدم صورة كلية متناسقة.

الغموض في القصيدة

قام درويش بالموازنة بين سطحية ومباشرة القصيدة، وبين إبهامها وغموضها، وذلك أعطى تأثيرًا طيبًا على القارئ.

الخيال والعاطفة

الخيال هو خيال ابتكاري بصور جديدة، فقام بتصوير عناصر حسية حتى تقرب المَشاهد البعيدة للقارئ، كما جعل ذلك الخيال العناصر تبدو متناغمة، كانت العاطفة بالقصيدة عاطفة قوية وصادقة، كما نجح الخيال الذي قدمه الكاتب في عرض صورة مؤثرة تنبض بالحياة.

من قصائد محمود درويش

نستعرض لكم الآن بعض المقتطفات من قصائد للشاعر محمود درويش..

إقرأ أيضًا: أشعار نزار قباني عن الشوق ونبذة عن حياته

من قصيدة يوميات جرح فلسطيني

ذلك الظل الذي يسقط في عينيك

شيطان إله

جاء من شهر حزيران

لكي يعصب بالشمس الجباه

إنه لون شهيد

إنه طعم صلاه

إنه يقتل أو يحيي،

وفي الحالين! آه!

من قصيدة دعوة للتذكار

وقهوة الأمس السخينة مرّت

وذاكرتي تنقرها..

العصافير المهاجرة الحزينهْ

لم تنس شيئاً غير وجهك

كيف ضاع؟

وأنت مفتاحي إلى قلب المدينة ؟

من قصيدة أبيات غزل

لماذا أُحبك؟

كيف تخر بروقي لديك ؟

وتتعب ريحي على شفتيك

فأعرف في لحظةٍ

بأن الليلي مخدَّة

وأن القمر

جميل كطلعة وردة

وأني وسيم.. لأني لديك!

من قصيدة أبي

أشعل البرقُ أودية

كان فيها أبي

يربي الحجارَ

من قديم.. ويخلق الأشجارَ

جلدُهُ يندفُ الندى

يدهُ تورقِ الشجرْ

فبكى الأفق أغنية :

كان أوديس فارساً…

كان في البيت أرغفة

ونبيذ, وأغطية

وخيول , وأحذية

وأبي قال مرة

حين صلّى على حجرْ:

غُضَّ طرفاً عن القمر

واحذر البحر .. والسفر !

من قصيدة لوحة على الأفق

رأيت جبينك الصيفيّ

مرفوعاً على الشفقِ

(و شعركِ ماعز) يرعى

حشيش الغيم في الأفقِ

تودّ العين.. لو طارت إليك

كما يطير النوم مِن سجني

يود القلب لو يحبو إليك

على حصى الحزنِ

يود الثغر لو يمتصّ

عن شفتيكِ ..

ملح البحر، و الزمنِ

من قصيدة صلاة أخيرة

يُخَيّلُ لي أن عمري قصير

وأني على الأرض سائح

وأن صديقة قلبي الكسير

تخون إذا غبت عنها

وتشرب خمرا

لغيري،

لأني على الأرض سائح!

يخيل لي أن خنجر غدرِ

سيحفر ظهري

فتكتب إحدى الجرائد:

“كان يجاهد”

ويحزن أهلي و جيراننا

ويفرح أعداؤنا

وبعد شهور قليلة

يقولون: كان!

إقرأ أيضًا: اشهر ما كتب في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي حتى وقتنا الحالي

نبذة عن الشاعر محمود درويش

محمود درويش هو أحد أهم الشعراء العرب عامة والفلسطينيين خاصة الذين قد أرتبط اسمهم بأشعار الثورة والوطن، ويعد من أبرز الشعراء الذين قاموا بتطوير وترميز الشعر العربي الحديث، فتعد أشعاره من الأشعار التي تمزج بين حب الوطن والعشق.

كتب محمود درويش وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني، كما ترأس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وكان محررًا لمجلة الكرمل، وكان يقيم بالعاصمة الفرنسية باريس إلى أن عاد لوطنه فلسطين لزيارة أمه، وقد سمحت له الحكومة الإسرائيلية بالمكوث بالبلد، كما عاش أيضًا ببيروت في سبعينيات القرن الماضي، وترأس تحرير مجلة “شؤون فلسطينية” قبل أن يترك لبنان بعام 1982، بعد غزو الجيش الصهيوني للبنان ومحاصرتهم لبيروت لمدة امتدت لثلاثة شهور، وبعد خروجه من “بيروت” أصبح منفيًا يجول بين الدول، فتنقل بين مصر وقبرص وتونس وفرنسا.

ساهم في اكتشافه الشاعر اللبناني الكبير “روبير غانم”، فعمل على نشر قصائد درويش بجريدة الأنوار، كما جمعت بين درويش وأدباء مختلفين صداقات طويلة، ومنهم: الفيتوري، ونزار القباني وفالح الحجية، ورعد بندر، وغيرهم، فكان له نشاط أدبي بارز في الوطن العربي، خاصة بالساحة الأدبية الأردنية، فكان أحدى أعضاء الشرف بنادي أسرة القلم الثقافي.

في النهاية.. وبعد ما قدمنا لكم قصيدة لماذا تركت الحصان وحيداً بالشرح والتحليل، وأشرنا لبعض التحليلات الأدبية الهامة للقصيدة، وكذلك بعض المقتطفات الصغيرة من قصائد الشاعر محمود درويش المختلفة، نتمنى أن نكون قد أفدناكم بموضوعنا، وأن يكون مقالنا قد أثرى معلوماتكم الأدبية بالشعر العربي الحديث.

قد يعجبك أيضًا

التعليقات مغلقة.