أسباب سقوط الدولة العباسية والأحوال الاقتصادية التي مرت بها الدولة

أسباب سقوط الدولة العباسية كانت عديدة، فكان هنالك العديد من المخاطر والصعوبات التي نالت من الدولة في أواخر أيامها، ولكن قبل ذلك، كانت الخلافة العباسية أحد أقوى الخلافات الإسلامية على مر تاريخها، فقد كانت ثالث خلافة الإسلامية بعد الخلفاء الراشدون والخلافة الأموية، كما كانت ثاني سلالة مسلمة بعد الأسرة الأموية تحكم المسلمين، حيث كان حكام الخلافة العباسية جميعهم من الأسرة العباسية، ولكن ذلك لم يدم، حيث أن للصراعات ومطامع القادة وفساد الحكام دورًا كبيرًا في جعل تلك الخلافة ماضيًا يتم ذكره بالكتب والحكايات، لذا.. دعونا نتعرف بالتفصيل على جميع الأسباب التي أدت لسقوطها في النهاية.

أسباب سقوط الدولة العباسية

لا يوجد سببًا واحدًا عمل على انهيار وسقوط الخلافة العباسية، بل أن هنالك العديد من الأسباب التي اجتمعت معًا بقصد أو بدون قصد جعلت من استمرار الخلافة أمرًا مستحيلًا، ومن تلك الأسباب:

اقرأ أيضًا: اخر خلفاء الدولة العباسية وغزوة بغداد وقتله وخلفاء العصر العباسي

سيطرة القادة الأتراك على الخلافة

كان لسيطرة القادة والجنود الأتراك على الخلافة الإسلامية العباسية وعلى الخليفة سببًا مهمًا في ضعف ومن ثم سقوط الدولة، حيث أن لتدخل القادة بشكل عام في شؤون أي دولة يتسبب في خلخلة الموازين بها، ولكن الوضع لم يكن هكذا طول الوقت في الدولة العباسية، فكانت الدولة في فترات قوتها قابعة تحت حكم الخليفة وحده دون أية تدخلات، وبمرور السنوات وتوالى الخلفاء، ظهر الدور الكبير للفرق الوقادة الأتراك، وذلك بسبب أن الخلفاء العباسيون كانوا يعتمدون عليهم في القيام بدور الحماية، إلى أن بدأت قبضة الخلفاء في حكمهم للبلاد بالضعف، ومع تدخل تلك الفرق والقادة الأتراك في شؤون الدولة المتزايد، صارت القوة والحكم لا يمتلكها الخليفة العباسي وحده بل يتقاسمها معهم، إلى أن وصل الوضع إلى خروج أغلب سلطة الخليفة من يده، وأصبحت مهمة إدارة الدولة بالكامل في يد الأتراك، وذلك بالإضافة للمؤامرات العديدة التي تمت صياغتها منهم لقتل الخلفاء والتخلص منهم وإسقاط الدولة العباسية.

انهيار الحالة الاجتماعية

انهارت الحالة الاجتماعية في الدولة العباسية في عقودها الأخيرة، فبدلًا من السعي وراء الفتوحات والجهاد الذي كان يفعله من سبقوهم من الخلفاء، أصبح المجتمع العباسي في عهد الخلفاء الأكثر حداثة متدهورًا بشكل كبير، فانشغلوا بالترف واللهو، فزاد الفساد في المجتمع، مما جعل المجتمع العباسي يتكون من طبقتين فقط، أولهما هي الطبقة الغنية، التي ظلت تعيش في حياة الترف واللهو لسنين عدة متناسيين تمامًا ما يواجه الفقراء، فقد كانوا دائمًا ما يقيمون حفلات الغناء والرقص والغرق في رفاهيتهم، أما عن الطبقة الثانية فهي الطبقة التي كانت تخالف كل ما تفعله الطبقة الأولى، فقد كانوا داعين للعودة إلى الطريق الصحيح الذي أمر به الله سبحانه وتعالى، وهذا ما تسبب أخيرًا في انقسام المجتمع داخليًا مما أدى إلى ضعفه وضعف الخلافة في النهاية.

اقرأ أيضًا: تاريخ الدولة العثمانية باختصار ومن هو مؤسس الدولة العثمانية

 ظهور الشعوبية

يمكن تعريف الشعوبية على أنهم حركة اجتماعية قومية كانت تنتمى إلى العجم، حيث كان بعضهم من الأتراك وبعضهم الآخر من الفرس، وكانوا يتشاركون جميعًا في كرههم المبالغ فيه للخلافة العباسية وجميع خلفائها، وقد ظهروا بشكل كبير في الدولة العباسية في فترة ضعف الدولة والخلفاء، حيث قام الخلفاء بجلبهم لهدف خدمة الدولة، ولكن الأمر قد خرج عن السيطرة، فأصبحت الشعوبية هي أحد العوامل التي تسببت في انهيار الخلافة العباسية.

الأوضاع الاقتصادية السيئة

قديمًا وفي أيام قوتها، كانت الدولة العباسية تنعم بحياة اقتصادية مستقرة، ولكن بعد ضعف الدولة، وظهور طبقة البزخ والترف التي ظهرت بقوة في أواخر عهد الخلافة، نفذت الأموال وانعدمت الإيرادات مع مرور الوقت، مما تسبب في تدهور الوضع الاقتصادي للدولة وظهور العديد من الثورات والتمردات على الخلافة.

اقرأ أيضًا: أبو جعفر المنصور المؤسس الحقيقي للخلافة العباسية سيرته الذاتية وأهم أعماله

اختلافات الدولة مع الشيعة

في نهاية عصر الدولة الأموية وقبل حصول العباسيون على الخلافة الإسلامية، كان العباسيون والشيعة يعملون جنبًا إلى جنب للإيقاع بالخلافة الأموية، وكان كلًا منهما يسعى بأن يحظى بالخلافة، ومع تمكن العباسيون منها، بدأت الخلافات بينهم وبين الشيعة، حيث قام الشيعة بتنظيم العديد من التمردات على الخلفاء العباسيين، وذلك حتى يتمكنوا من إضعاف الدولة العباسية وتسهيل القضاء عليها.

كانت جماعات الشيعة تتجمع في مناطق معينة من أراضي الخلافة العباسية، حيث كان الفاطميون يقومون بالسيطرة على منطقة شمال أفريقيا ومنطقة الحجاز وكذلك العديد من المناطق الأخرى التي كانت تتبع الخلافة العباسية مسبقًا، كما كان كل من القرامطة والفرق الإسماعيلية وباقي الجماعات الشيعية يقومون بإشعال العديد من المشكلات في جميع أنحاء الدولة، كما أن للشيعة دورًا رئيسيًا في سقوط بغداد على يد المغول معلنين نهاية الدولة العباسية.

استقلال بعض مناطق الدولة

على عكس الأمويون الذين قاموا بالاحتفاظ بشدة حكمهم المركزي لجميع المناطق التابعة لهم، كانت الخلافة العباسية منذ بداياتها وهي عرضة للتفكك، حيث أن هنالك العديد من السلالات التي قامت بالاستقلال عن طريق حكمهم لبعض المناطق البعيدة في الدولة ذاتيًا، وكان الاستقلال الأول هو خروج الأندلس وأمارة قرطبة عن السيطرة العباسية ورجوعها للسيطرة الأموية، وكذلك الدولة الطولونية والإخشيدية في مصر والعديد من دول الأخرى التي استقلت بشكل أو بآخر عن الدولة العباسية.

غزو المغول وسقوط بغداد

في بدايات القرن الثالث عشر الميلادي، قامت القبائل المغولية بالاتحاد والقيام تحت قيادة جنكيز خان، فبدأوا في غزو والسيطرة على المناطق المتواجدة حول منطقة منغوليا بشرق آسيا، وسرعان ما احتلوا الصين وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقية، ومن ثم بدأ المغول في غزواتهم ضد الدولة العباسية في عام 1236 ميلاديًا ولكن بالرغم من ذلك فشلت أغلب محاولاتهم للسيطرة على الخلافة، إلا أن في عام 1258 ميلاديًا و656 هجريًا نجح المغول في دخول بغداد بعد استسلام الخليفة المستعصم بالله بعد حصار ناجح للقوات المنغولية، فدخل المغول إلى أراضي الدولة العباسية ودمروها وأبادوا شعبها، وهذا ما يعد النهاية الحقيقية للدولة العباسية.

اقرأ أيضًا: متى وقعت غزوة خبير وما هي أهدافها

ما هي الخلافة العباسية؟

قامت الخلافة العباسية على يد مؤسسها وأول خلفائها أبو العباس السفاح، ومن بعد وفاته، انتقلت الخلافة إلى أخيه أبو جعفر المنصور، والذي يعد هو المؤسس الحقيقي لرواسخ الخلافة، وقد ظلت الخلافة العباسية لمدة زادت عن الخمسة قرون.

لم تكن الأمة الإسلامية موحدة في ظل حكم الخلافة الإسلامية، وذلك بداية مع هشام بن عبد الملك للدولة الأموية مرة أخرى في الأندلس واستقلاله بها، وحتى الوصول للدويلات الأخرى التي قامت بالاستقلال بالحكم، وقد وصل عدد الخلفاء في الدولة العباسية إلى 37 خليفة ضموا من بينهم العديد من الخلفاء الذين حفروا اسمهم في التاريخ الإسلامي، كالخليفة المهدي والخليفة المأمون وهارون الرشيد والخليفة المعتصم بالله، وكذلك آخر خلفائها الخليفة المستعصم بالله، والذي قتله المغول بعد دخولهم بغداد.

ويمكن تقسيم عهد الدولة العباسية إلى عصرين، كان أولهما قد بدأ في عام 749 ميلاديًا، وهو العام الذي بدأت فيه الخلافة، وينتهي في عام 847 ميلاديًا وهو العام الذي قتل فيه أبي العباس أبيه الخليفة المتوكل، أما عن ثانيهما فهو يبدأ مع بداية الفوضى العسكرية التي ضربت البلاد بعدما تمكن القادة العسكريون من توسيع نفوذهم في حكم البلاد، ونشأة العديد من الدول مثل السلاجقة والدولة الطولونية والبويهيين، وصولًا لنهايتها على يد المغول، وقد شاع في هذه الفترة موت أو خلع أغلب خلفاء الدولة العباسية، وهذا ما يدعم كون هذه الفترة هي الأكثر اضطرابًا في تاريخ الدولة.

نظام الحكم في الخلافة العباسية

عملت الخلافة العباسية على متابعة نظام الحكم الذي كان يستخدم في الخلافة الأموية ومن قبلها الخلافة الراشدة، ولكن كان ذلك النظام في الدولة العباسية والدولة الأموية صوريًا فقط، حيث كان النظام الإسلامي المتبع في الخلافة الراشدة هو تنصيب خليفة واحد مهمته هي أن يقوم بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم المسلمين، وعلى أن يتم هذا الاختيار من وجهاء الشعب والمسلمين، ويظل ذلك الخليفة في خلافته حتى مماته، فيتم اختيار خليفة جديد بنفس الطريقة، ولكن تلك الطريقة لم يتم تطبيقها فعليًا في الخلافة الأموية والخلافة العباسية، حيث كانت الخلافة في كليهما خلافة وراثية، حيث كان الخلفاء في هاتين الخلافتين بتعيين ولي عهد يتم تنصيبه خليفة بعد ممات الخليفة الحالي.

ظهر منصب الوزير في الخلافة العباسية بشكل كبير، وكان الوزير في الدول العباسية بمثابة الرجل الثاني فيها بعد الخليفة، وتمكن مهمته في العمل على مساعدة الخليفة بكل الطرق في إدارة كافة شؤون البلاد، وبالإضافة إلى ذلك، يعمل الوزير على الإشراف على تنفيذ كل ما يأمر به الخليفة، وقد تطورت مهام الوزير إلى أن وصلت لكونه القائد الأول لجيش الخلافة، وذلك تسبب في كون الجيش أكثر تحيزًا للوزير عن الخليفة مما أدى إلى تفوق الوزير في ميزان القوة، حتى صار الوزير هو أقوى شخص في الدولة، كما أطلق على الوزير لقب السلطان وذلك ما تسبب في حدوث العديد من الاغتيالات للخلفاء في وقت لاحق على يد هؤلاء الوزراء، كم حدث مع المسترشد بالله والمقتدر بالله والمتوكل على الله والمعتز بالله.

اقرأ أيضًا: حدود الدولة العثمانية وتاريخها وغزوات الدولة العثمانية

بناء العباسيون لمدينة بغداد

إن لبناء الدولة العباسية لمدينة بغداد أثرًا كبيرًا على استمرار الخلافة العباسية وسيطرتها على أراضيها لفترة طويل، حيث أن المدينة قد تم بناؤها للتمكن من الحصول على عاصمة جديدة للبلاد لا يتواجد بها أية صراعات داخلية مما يسهل عملية إدارة شؤون البلاد، وقم قام العباسيون ببنائها في مدة طالت لأكثر من 13 عام.

لم يكن للدولة العباسية عاصمة حقيقية بعد توليهم حكم الخلافة الإسلامية (لم يرغب العباسيون في جعل مدينة دمشق العاصمة السابقة للدولة الأموية عاصمة لهم، وذلك لأن المدينة كانت تحتوي على العديد من مؤيدي حكم الدولة الأموية ومعارضين لحكم الدولة العباسية)، فقد كانوا يقومون بحكم البلاد من خلال مدينة الكوفة، التي كان بها العديد من معارضي الدولة، وذلك ما جعل عملية حكم البلاد من خلالها أمرًا صعبًا للغاية، فكان الحل هو إقامة مدينة جديدة على الجانب الغربي من نهر دجلة عند مصب نهر الرفيل، يتم فيها حكم البلاد بشكل كامل دون أية معاناة أو عوائق، وذلك بالضبط ما فعله الخليفة أبو جابر المنصور ثاني خلفاء الدولة العباسية، كما كان للمنصور دوافع سياسية وعسكرية ومناخية واقتصادية أخرى جعلتها عطي الأمر ببنائها.

بمجرد بناء مدينة بغداد وجعلها العاصمة للخلافة، صارت المدينة هي مركز للعباسيين يجتمعون فيه دون أية معارضة، وكذلك كان موقعها يتميز بكونه صلة وصل بين كلًا من الشام ومصر من ناحية، وبلاد فارس من ناحية أخرى، كما كانت المدينة تمتلك أهمية اقتصادية كبيرة في ذلك الوقت، فقد كانت بمثابة مركزًا تجاريًا تتلاقى فيه العديد من رحلات التجارية وتنتعش عمليات البيع والشراء وعمليات التجارة بشكل كامل.

اقرأ أيضًا: من هو مؤسس الدولة العثمانية ؟

من هو الخليفة العباسي الأشهر؟

بالرغم من وجود العديد من الخلفاء العباسيين الذي قد عرفوا لعوام الناس وبقت ذكراهم خالدة حتى يومنا هذا، إلا أن هنالك أحد الخلفاء العباسيين يعد هو الأشهر بينهم، لكثرة الحكايات التي قيلت عنه والأشعار التي كتبت له ولكل ما قدمه للخلافة الإسلامية، وهذا الخليفة هو هارون الرشيد.

هو أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي، وكانت كنيته أبا جعفر، وهو يعد خامس خلفاء الدولة العباسية، وقد تمت مبايعته لخلافة الأمة الإسلامية عندما بلغ سن الخامسة والعشرين، وذلك بعد أن توفي أخوه الخليفة الهادي، ويعد هارون الرشيد هو أكثر خلفاء الدولة العباسية شهرة عند الأمة الإسلامية وحتى عند الدول الأجنبية.

كان هارون الرشيد يحافظ بشكل كبير على تعاليم الشريعة الإسلامية، وذلك لكونه متدينًا ومتمسكًا بنصوص سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك القرآن الكريم، وكانت حياته في خلافته للمسلمين تدور حلو الحج والغزو، فإذا لم يتواجد الغزو يشرع هارون الرشيد إلى الحج إلى بيت الله تعالى، كما عرف بأنه من المحبين للشعر والأدب وكذلك الفقه بشكل كبير، وقد كان له العديد من الشعراء والأدباء الذي قاموا بالتقرب منه حتى ينالوا رضاه.

يعد العصر الذي حكم فيه هارون الرشيد الخلافة الإسلامية هو العصر الذهبي للخلافة العباسية، حيث وصلت الدولة العباسية في فترة حكمه لقوة لم تشهدها من قبل، فقد بلغت أموال الخراج ذروتها، حيث أنها وصلت إلى 400 مليون درهم تم الحصول عليهم طواعية وبدون أي شكل من أشكال الظلم، كما عمل على إقامة العديد من المساجد والمشاريع وتشييد الطرق والقصور وإنشاء بيت الحكمة وتنظيم الثغور أمام دولة الروم المعادية للمسلمين، وكذلك الاهتمام الكبير بمدينة بغداد.

بعد أن نكون قد تعرفنا على أسباب سقوط الدولة العباسية المختلفة، وكذلك تعرفنا على اهم المعلومات عن تلك الخلافة ولما عملوا على بناء مدينة بغداد والبقاء فيها، نتمنى أن نكون قد أفدناكم بحديثنا في هذا الموضوع وأن نكون قد أثرينا معلوماتكم ولو بشكل بسيط حول الدولة العباسية التي تعد ثالث الخلافات الإسلامية.

قد يعجبك أيضًا

التعليقات مغلقة.