وصية كليب للزير سالم

وصية كليب للزير سالم الذي أرسلها له بعدما قتله ابن عمه دساس في بداية حرب البسوس، تلك الحرب التي استمرت نحو الأربعين عامًا تتقاتل فيها السيوف في معارك ضروس، كان الذي أشعل فتيل انفجارها هو الثأر.. ومن غير الثأر قد يحصد أرواح العرب طوال هذه المدة، العصبية القبلية التي لا تهدأ حتى تروى بدم الأعداء مخلوط بدم أبنائها.

وصلت لنا أخبار هذه الحرب بالتناقل الشفهي فلم تُكتب إلا في عصور متأخرة؛ فبالطبع طالها التزييف والاضافات الشائقة والجذابة فأصبحت تاريخ شعبي ملحمي تتناقله الألسن عبر الأجيال في جلسات السمر.

وصية كليب للزير سالم

تذكر المصادر الأدبية أنه في أحد الأيام كان “كليب بن ربيعة” جالسًا في أرضه فرأى ناقة ترعى من أرضه؛ فرماها بسهم فماتت؛ عندما رأى صاحب الناقة ما حدث لناقته صرخ من الذل والهوان فاستنصر له دساس وقتل كليب.

فكتب كليب هذه الأبيات لأخيه الزير سالم يطلب منه الثأر لمقتله وقال:

هديت لك هديه يا مهلهل *** عشر أبيات تفهمها الذكاه

أول بيت أقوله استغفر الله *** إله العرش لا يعبد سواه

وثاني بيت أقول الملك لله *** بسط الأرض ورفع السماء

وثالث بيت وصي باليتامى *** واحفظ العهد ولا تنسى سواه

ورابع بيت أقول الله أكبر *** على الغدار لا تنسى أذاه

وخامس بيت جساس غدرني ***  شوف الجرح يعطيك النباه

وسادس بيت قلت الزير أخي ***  شديد البأس قهار العداه

وسابع بيت سالم كون رجال *** لآخذ الثأر لا تعطي وناه

وثامن بيت سالم لا تخلي *** لا شيخ كبير ولافتاه

وتاسع بيت سالم لا تصالح *** وأن صالحت شكوت للإله

وعاشر بيت أن خالفت قولي *** أنا وياك إلى قاضي القضاة

إقرأ أيضًا: شعر عربي قديم وأشهر شعراء العرب قصائد عمرو بن كلثوم والأعشي

نقد قصة وصية كليب للزير سالم

ينكر مؤرخو الأدب هذه القصة لعدة أسباب أهمها:

  • أن كليب كان شاعر عظيم ولا يخرج منه هذه الهراء أبدًا، فهذه القصيدة لا تعدوا أن تكون قافية غنائية زادها (الحكواتي) عندما كان يتغنى بالقصة.
  • ملحمة الزير سالم أوردها الأصفهاني في كتاب الأغاني، ولا نجد بها هذه القصيدة.
  • أنه عندما طعن جساس كليبًا لم يكن مع كليب أحد ليخبر عنه القصيدة هذه وأنه مات فورًا، فكيف وصلتنا.
  • المسحة الدينية الظاهرة في القصيدة، وهذه القصة كانت قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.

قصة مقتل كليب

بعدما زادت سطوة كليب أصبح لا يُحتمل منع جيرانه من ورود الماء ومنع الصيد في الصحراء، وكان جساس فارس عظيم من خير الفرسان وخالته بنت منقذ التميمية تسمى البسوس تقيم عند أهله، وتمتلك ناقة وفصيلا قامت بإرسالهما مع إبل جساس لترعيا في أراضي حمى كليب، لكن كليب كان لا يسمح لأي أحد أن يرعى في أرضه من غير أقاربه، فما رأى الفصيل (صغير الناقة) رماه بسهم فقتله على الحال.

ذهب رعاة الإبل إلى جساس وقصوا عليه ما حدث فغض الطرف عن هذه الإهانة لكن لم يتوقف كليب عن توجيه الإهانات إليهم.

عندما قابل ابن البسوس سأله: “ماذا فعل فصيل ناقتكم؟” (الفصيل هو الجمل الصغير ويقول هنا هذه الجملة بغرض الاستهزاء)، فرد عليه ابن البسوس وقال: “قتلته وأخليت لنا لبن أمه”
ثم أنشدت البسوس تقول:

عمري لو أصبحت في دار منقذ *** لما ضم سعد وهو جار لأبياتي

ولكنني أصبحت في دار معشر متى *** يعد فيها الذئب يعدو وعلى شاتي

ف يا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل *** فإني في قوم عن الجار أموات

ودونك أذوادي إليك فإنني *** محاذرة أن يغدروا ببنياتي

السبب الحقيقي لمقتل كليب

ظلت الأحقاد تتصاعد يوم بعد يوم حتى في إحدى الأيام جاءت نسوة إلى نبع الماء لترد، وبالطبع كان معهم الفرسان العظام وخير شباب القبيلة لحمايتهن من غارات القبائل الأخرى التي تؤخذ فيها السبايا وشرف القبيلة معها، وكان جساس من هؤلاء الفرسان.

ظل يطاردهم كليب ويمنعهم من الماء حتى قال له جساس والله إنك كدت تهلك أهلنا عطش، فعلل ذلك بأن أهله كانوا يردون ذاك الماء، فذكر جساس حادث ناقة خالته وإنه سيفعل بهم مثلما فعل بالناقة، فرد كليب بكل كبر إنه لو رآها وسط الإبل في الحما سوف يقتل كل الإبل وأهان جساس.

فطعنه كليب بالرمح بين حضنيه (المنطقة بين الإبط والكاشح) ضربة واحدة سقط كليب على الأرض وطلب من جساس شربة ماء فلم يجيب إليه طلبه، وبينما يعاني سكرات الموت طلب نفس الطلب من عمرو بن الحارث، فلم يجيبه إلا بسيف أجهز عليه.

بعد هذه الفاجعة عاد جساس إلى ديار قومه وكاشف عن ركبتيه، فلما رآه أبوه على هذه الحالة عرف أنه فعل شيءً عظيمًا، سأله ماذا بك يا بني؟ قال له إنه قتل أحد سوف يشغل شيوخ قبيلة وائل إلى آخر الزمان، فسأله أباه: هل قتلت كليب؟! فرد عليه نعم قتلته.

رد أبوه عليه بأنه يتمنى لو كان مات مع أخوه قبل هذه الحادث.

إقرأ أيضًا: اشهر ما كتب في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي حتى وقتنا الحالي

التعريف بالزير سالم

هو أهم الفرسان الشجعان في زمانه وشاعر عظيم له الكثير من القصائد والمآثر، بعد مقتل أخاه كُليب أشعل الزير سالم حرب البسوس لمدة أربعين عامًا، ومن أشهر أشعاره في رثاء أخيه:

كُلَيبُ لا خَيرَ في الدُنيا وَمَن فيها *** إِن أَنتَ خَلَّيتَها في مَن يُخَلّيها

كُلَيبُ أَيُّ فَتى عِزٍّ وَمَكرُمَةٍ *** تَحتَ السَفاسِفِ إِذ يَعلوكَ سافيها

نَعى النُعاةُ كُلَيباً لي فَقُلتُ لَهُم *** مادَت بِنا الأَرضُ أَم مادَت رَواسيها

لَيتَ السَماءَ عَلى مَن تَحتَها وَقَعَت *** وَحالَتِ الأَرضُ فَاِنجابَت بِمَن فيها

أَضحَت مَنازِلُ بِالسُلّانِ قَد دَرَسَت *** تَبكي كُلَيباً وَلَم تَفزَع أَقاصيها

الحَزمُ وَالعَزمُ كانا مِن صَنيعَتِهِ *** ما كُلَّ آلائِهِ يا قَومُ أُحصيها

القائِدُ الخَيلَ تَردي في أَعِنَّتَها *** زَهواً إِذا الخَيلُ بُحَّت في تَعاديها

الناحِرُ الكومَ ما يَنفَكُّ يُطعِمُها *** وَالواهِبُ المِئَةَ الحَمرا بِراعيها

مِن خَيلِ تَغلِبَ ما تُلقى أَسِنَّتُها *** إِلّا وَقَد خَصَّبَتها مِن أَعاديها

قَد كانَ يَصبِحُها شَعواءَ مُشعَلَةً *** تَحتَ العَجاجَةِ مَعقوداً نَواصيها

تَكونُ أَوَّلَها في حينِ كَرَّتِها *** وَأَنتَ بِالكَرِّ يَومَ الكَرِّ حاميها

حَتّى تُكَسِّرَ شَزاراً في نُحورِهِم *** زُرقَ الأَسِنَّةِ إِذ تُروى صَواديها

أَمسَت وَقَد أَوحَشَت جُردٌ بِبَلقَعَةٍ *** لِلوَحشِ مِنها مِنها مَقيلٌ في مَراعيها

يَنفُرنَ عَن أُمِّ هاماتِ الرِجالِ بِها *** وَالحَربُ يَفتَرِسُ الأَقرانَ صاليها

يُهَزهِزونَ مِنَ الخَطِّيِّ مُدمَجَةً *** كُمتاً أَنابيبُها زُرقاً عَواليها

نَرمي الرِماحَ بِأَيدينا فَنورِدُها *** بيضاً وَنُصدِرُها حُمراً أَعاليها

يارُبَّ يَومٍ يَكونُ الناسُ في رَهَجٍ *** بِهِ تَراني عَلى نَفسي مُكاويها

مُستَقدِماً غَصصاً لِلحَربِ مُقتَحِماً *** ناراً أُهَيِّجُها حيناً وَأُطفيها

لا أَصلَحَ اللَهُ مِنّا مَن يُصالِحُكُم *** ما لاحَتِ الشَمسُ في أَعلى مَجاريها

قصة وفاة الزير سالم

تضاربت الأقوال حول وفاة الزير سالم.. فقال بعض المؤرخين أنه مات في قرابة العام 500م، والبعض الآخر يرى أنه مات ما بين العام 525 والعام 530.. وأنه مات في زيارة لأخواله أو أنه تم أثره على يد عمرو بن مالك.

لكن القصة الأشهر في موت المهلهل تقول أنه عندما كبر المهلهل في السن كان كثير الشعور بالوحدة وفي أحدى الأيام طلب من ابن اخيه (كان يسمى الجرو أو الهجرس) أن يرافقه للتنزه في أنحاء البلاد، فجهز له الجرو هودج وعبدين وأرسله للتنزه، فقرر العبدين قتله.

لكن لذكاء الزير سالم علم بمكرهم وقال لهم إنه يشعر بدنو أجله وبلغهم وصية يوصي بها لأهله، والوصية عبارة عن بيت من الشعر تلاه عليهم، والبيت هو:

“مَن مبلغ الأقوام أنَّ مهلهلًا *** لله درُّكما ودرُّ أبيكما”

وظلل يكرر البيت حتى دخل الليل وقرر العبدين أن يقتلاه..

بعدما قتلاه ودفناه عادا إلى أهله وقالا إنه مات ويبلغهم وصيته وأنشدا الشعر فلم يفهم الجرو معنى البيت ونادى إلى أخته اليمامة وقال لها البيتين فصرخت وقالت عمي لا يقول الشعر ناقص أبدًا وإنما هو يقصد:

من مبلغ الحيين أن مهلهلاً … أمسى قتيلا في الفلاة مجندلا
لله دركما ودر أبيكما … لا يبرح العبدان حتى يقتلا

فقبض على العبدين وتحت التعذيب اعترفا بقتلهم للمهلل لأنه أرهقهما في المسير..

وهكذا كانت نهاية الشاعر الفارس الذي خاض أشهر حروب العرب.

إقرأ أيضًا: اسماء العرب في الجاهلية وما هو معناها في اللغة بالتفصيل؟

انعكاس وصية كليب للزير سالم على الأدب الحديث

لهذه القصة أثر كبير على تفكير كل مبدع عربي كما أنها ثابته بصورة أو بأخرى في الوجدان الشعبي للمواطن العربي ومن أشهر انعكاساتها الأدبية:

في القاهرة في عام 1977 بعدما عزم الرئيس أنور السادات الذهاب إلى الكنيست الإسرائيلي، وعقد الصلح معهم واتفاقية سلام بعد حرب السادس من أكتوبر وما قبلها من قتلهم لأخوتنا غدرًا، واستباحة دماء الأطفال والمدنيين، واستمرارهم في قتل أخوتنا على أرض فلسطين.. كتب الشاعر أمل دنقل قصيدته الشهيرة لا تصالح حيث يقول على لسان كليب للزير سالم، أو تقرأ في العصر والظرف الراهن وكأنها على لسان عاطف السادات لأخيه أنور:

لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما فجأةً بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ مبتسمين لتأنيب أمكما.. وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي بين عينيك ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس فوق دمائي ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!

سرعان ما أصبحت تلك القصيدة هي النفير الشعبي لكل مندد بالتطبيع مع الصهاينة قتلة الطفال.

بذلك نكون قد تناولنا وصية كليب للزير سالم والنقد الموجه لصحتها والقصة الحقيقية لمقتل كليب وقصة مقتل أخيه الزير سالم نرجو أن نكون قد أفدناكم.

غير مسموح بنسخ أو سحب مقالات هذا الموقع نهائيًا فهو فقط حصري لموقع زيادة وإلا ستعرض نفسك للمسائلة القانونية وإتخاذ الإجراءات لحفظ حقوقنا.

قد يعجبك أيضًا

التعليقات مغلقة.